الغزالي
192
إحياء علوم الدين
الأول : انه إذا رد عليه شيء منه ، فينبغي أن يطرحه في بئر ، بحيث لا تمتد إليه اليد . وإياه أن يروجه في بيع آخر . وإن أفسده بحيث لا يمكن التعامل به جاز الثاني : أنه يجب على التاجر تعلم النقد ، لا ليستقصى لنفسه ، ولكن لئلا يسلم إلى مسلم زيفا وهو لا يدرى ، فيكون آثما بتقصيره في تعلم ذلك العلم . فلكل عمل علم به يتم نصح المسلمين ، فيجب تحصيله . ولمثل هذا كان السلف يتعلمون علامات النقد ، نظرا لدينهم لا لدنياهم الثالث : أنه ان سلَّم وعرف المعامل أنه زيف ، لم يخرج عن الإثم . لأنه ليس يأخذه الا ليروجه على غيره ولا يخبره . ولو لم يعزم على ذلك لكان لا يرغب في أخذه أصلا ، فإنما يتخلص من اثم الضرر الذي يخص معامله فقط الرابع : أن يأخذ الزيف ليعمل بقوله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] « رحم الله امرأ سهل البيع سهل الشّراء سهل القضاء سهل الاقتضاء » فهو داخل في بركة هذا الدعاء ان عزم على طرحه في بئر . وإن كان عازما على أن يروجه في معاملة فهذا شر روجه الشيطان عليه في معرض الخير ، فلا يدخل تحت من تساهل في الاقتضاء الخامس : أن الزيف نعني به ما لا نقرة فيه أصلا ، بل هو مموه ، أو ما لا ذهب فيه ، أعنى في الدنانير . أما ما فيه نقرة ، فإن كان مخلوطا بالنحاس وهو نقد البلد ، فقد اختلف العلماء في المعاملة عليه ، وجل رأينا الرخصة فيه إذا كان ذلك نقد البلد سواء ، علم مقدار النقرة أو لم يعلم . وان لم يكن هو نقد البلد لم يجز ، الا إذ علم قدر النقرة فإن كان في ماله قطعة نقرتها ناقصة عن نقد البلد ، فعليه أن يخبر به معامله ، وأن لا يعامل به الا من لا يستحل الترويج في جملة النقد بطريق التلبيس . فأما من يستحل ذلك فتسليمه إليه تسليط له على الفساد ، فهو كبيع العنب ممن يعلم أنه يتخذه خمرا . وذلك محظور وإعانة على الشر ومشاركة فيه . وسلوك طريق الحق بمثال هذا في التجارة ، أشد من المواظبة على نوافل العبادات والتخلي لها . ولذلك قال بعضهم : التاجر الصدوق أفضل عند الله من المتعبد وقد كان السلف يحتاطون في مثل ذلك ، حتى روى عن بعض الغزاة في سبيل الله أنه قال : حملت على فرسى لأقتل علجا